(صديقَان لَدُودَان، ضِدّانِ عنيفَان [خارج وداخل] وسيروراتٌ متداخلة)
أو
كفاكِ عويلًا يا معاني العالم، ابتَلعيني!
الطّيّب غنايم
1.
الخارج لا يَمِتُّ للداخلِ بصلة، غالبًا ما تكونُ عواصفُه باطنةً تَتَلاطَمُ في ذِهْنِ وصَدْرِ صاحِبِها. الذّهن والصّدر حاضِنَانِ لاشتعالِ البواطنِ، بينما الخارجُ الظّاهرُ السَّافرُ يمكنُ له أنْ يُصْدِرَ علاماتٍ أُخرى مُخالِفَةً مُغَايِرَةً تَمامًا لتلكَ التي في الباطن. لطالما اسْتَهْوَتْنِي الدّياناتُ والتّيّاراتُ الفكريّةُ الباطنيّةُ، لتَقَصِّيهَا الدّواخلَ بشكلٍ عنيفٍ، كَمَنْ يحمِلُ مِبْضَعًا ويشرِّحُ الأعضاءَ ويرى ضَخَّ سَيْرُورَاتِها دائمة الدّوران، العمل، الدّيناميكيّة، المجهود والعطب. كان اختيارُها هذا نابعًا من إيمانِها بعدم قدرة العَوَامِّ تحمُّلَ الجوهر. العوامُّ تَبْتَغِي الخارجَ السّطحيّ السّهلَ البسيطَ المُبْتَذَل القَابِلَ للهَضْمِ. الدَّاخلُ أكثرُ إثارةً من ذلك البادي للعيان. الدّواخِلُ هي جوهَرُنا، والخارجُ تَجَمُّلٌ للآخَر.
إذا اسْتَوى لدى شخص ما، مستوى دواخِلِهِ مع مستوى ما يُبْدِيهِ، فإنَّهُ معرَّضٌ للوَرْطَةِ. منظومةٌ متكاملةٌ بَنَيْنَاهَا، مجتمعاتٍ كاملةً، تقومُ وتَنْبَنِي وتَرْتَكِزُ وتنْهَدِمُ وتَتَقَوَّضُ بسبب الخارج
الجوهَرُ يتوجَّبُ عليه أنْ يَقْبَعَ في الدَّواخل، لأنَّه يستحيلُ أنْ يَمْكُثَ في مادَّةٍ زائلةٍ مصيرُها الزَّوالُ والانقراضُ والتَّهالُكُ.
عمومًا ما نَنْجَذِبُ، وفقَ جينَاتِنَا البدائيَّةِ، نحوَ الجَسَدِ ومفاتِنِهِ، بينما الدّاخلُ (الرّوحُ، النّفس ومشتقّاتها، تفرّعاتها ومسمّياتها المختلفة) مهمَّشٌ ولا تَرْجَمَةَ له؛ غالبًا ما يظلُّ الدّاخل مَقْصِيًّا، مراضاةً لمعايير الخارج التي تجعلُ الجميعَ مُتَكَلَّفِينَ، مُفْتَعَلِينَ ومُهَنْدَسِينَ مُجْتَمَعِيًّا. هذه الهندسةُ تخترقُ أرواحَنَا الهَشَّة، هنا والآن، في عصرِ ما يُسَمَّى بالذّكاء الاصطناعيّ، وتدخلُ تسارعًا غيرَ مشهودٍ تاريخيًّا، بعد أن بِعْنَا أَرْوَاحَنا وَرَهَنَّاهَا للاشيء. مُخُّ العالم يدخلُ رَقْمَنَةً ويفضحُ وُجودَنا العاري.
نحنُ أكبرُ من تلكَ المادّة التي تحملُ أرواحَنَا وجواهِرَنا داخِلَ الجَسَدِ المُتَهَالِكِ، بعيدًا عن جُذور الأقاصي وأقاليم الأبعادِ الموجودة ولا نستطيعُ ملامَسَتَها أو دُخولها أو الاستمتاعَ بما تَمْنَحُهُ. يا للحواجزِ، يا للأبعاد الموجودة الممنوعة عنّا.
إذا اسْتَوى لدى شخص ما، مستوى دواخِلِهِ مع مستوى ما يُبْدِيهِ، فإنَّهُ معرَّضٌ للوَرْطَةِ. منظومةٌ متكاملةٌ بَنَيْنَاهَا، مجتمعاتٍ كاملةً، تقومُ وتَنْبَنِي وتَرْتَكِزُ وتنْهَدِمُ وتَتَقَوَّضُ بسبب الخارج
مُعَامِلُ الزّمان ظالمٌ قاصِرٌ هَمَجِيٌّ يُهَشِّمُ عِظَامَ تَواجُدِنا، فاستيعابُ الوجودِ يتطلَّبُ أضعافًا مضاعفةً من سِنِيِّ عمرِنا. يا لِجُوعِ استيعابِ الوُجُود.

بعدستي: العائلة المجتمعةُ انفصالًا
2.
على شاطئٍ في إحدى مُدُنِ السّاحلِ، مساءَ جُمْعَةٍ وادِعَةٍ، على ألحانِ موسيقى الرّائِع، الشّابّ خالد (أغنية “بَخْتَة”)، تقدمُ عائِلَةٌ صغيرةٌ جميلةٌ، ذكران وأنثيان، الامرأتان محجَّبَتَان. أنا وصديقي اللّدودُ منذُ الطّفولة، نجلسُ على صخرةٍ مرتفعةٍ. تمشي العائلةُ الجميلةُ عن يَمينِنَا وتخطو في مسارٍ رمليٍّ مُلْتَوٍ، لتستقرَّ جلوسًا تَحْتَنَا. “شَايِفْ هَالبَعْصَة”، قال صديقي اللّدود، مُحْتَجًّا على اختراقِهِم وِحْدَتَنا التّأمليّةَ الثّابتة التي صارَتْ عادةً منذُ سنين. هذه اللّحظة، مثلَ لحظاتٍ مفصليّة عديدة أُخرى في الحياة، كانت بالنّسبةِ لي لحظةً انفجاريَّةً، big bang صغير مُكَوَّنٌ من سلسلةِ أسئلةٍ، تُلامِسُ جَوْهَرِي.
نظرتُ إليهِ، وحوَّلْتُ أنظاري نحو العائلة الجالسة تَحْتنا، والتي كانَتْ قدْ أَتَمَّتْ وضعيَّةَ جُلوسِها واستقرتّْ وباشَرَتْ الابتعادَ عن جَمَالِ الوجودُ لتستقرَّ في الزِّفْتِ التّلفون. منظر مُغيظٌ. الجماعاتُ الجالسةُ انْفِصَالًا، هكذا نحن. المُحجّبتان في الوسط، وعلى جانب كلّ واحدة ذكرها.
صوتُ البحر والصّخرة الجالسان عليها صديقي اللّدود وأنا، تُشْرِفُ الآنَ على بَحْر المتوسِّطِ الجميلِ جدًا. رباعيّةٌ عائليّةٌ، وثنائيّةُ صديقين أَرْبَعِينِيَّيْنِ أَبَوَيْنِ ومُطَلّقيْن، لا تزالُ طاقةُ الطّفولة تُسَيِّرُهُمَا، هو يذرَعُ الصّخرةَ الكبيرةَ، ذهابًا وايابًا، ترجمةً لطاقَتِهِ الموتورة. يأتيني فجأةً، يقتربُ مني باندفاعٍ صبيانيٍّ ويسألُ بصوتٍ عالٍ: “كلّ هاظا كَتَبْتُو هَسَّا ابِنْ صَفِّي؟!”. أبتسمُ، فيزدادُ انفعالًا ويرفعُ صوتَ المُوسيقى، يُشْعِلُ لي سيجارةً وينفعلُ-يتفاعلُ مَعي ومَع ذاتِهِ والمحيط الذي يحبّه جدًا، فيهَرْوِلُ نَحْوَ البحر، يخلعُ جارِزَتَهُ القصيرة بينما يهرولُ ويلقيها وَرَاءَه دون تلفُّتٍ، يدخلُ في البَحْرِ ومن هناك يَصْرُخُ نحوي “سَبْع امْواجْ في البَحَر….. سَبْعْ أَمْواجْ في البَحَرْ”.
بحرُ معانِي هذي الحياةِ لا يندلقُ نَحْوَ الخارِج، والصّرخَةُ ترجمةٌ لانعدامِ القُدرةِ على التّعبير حيثُ لا يُسْعِفُ الكلامُ على الوصفِ والوَصْفُ خِصْلَةٌ لا يملكُها كثيرون، هذه قُدْرَةٌ نَخْبَوِيَّةٌ.
مُجَدَّدًا، يأتِينِي مُسْرِعًا بعْدَ أنْ غَطَسَ في البحر، بِطَاقَةٍ طُفُولِيَّةٍ، ضاحكًا، يقولُ بينما يهزّ بجسده: “كَفَاكِ عَويلًا يا هِنْدُ”. أنا، في تلك اللحظةِ، انْفَجَرْتُ ضحكًا، فانْفَجَرَ ضحكًا على ضحكتي الصّاخبة.
قاطعَ ضحكته المتواصلة العالية بجملةٍ وجَّهَها لي: “الطّيّب، بِدِّيشْ أَرَوِّحْ”.
أُسَايِرُه ومزاجي المتصالح مع الوجود، منسابًا مع صوتِ أمواجِ البَحْرِ الهَادِر.
كَفَاكِ عَويلًا يا مَعَانِي العَالَمِ. ابْتَلِعِيني.
ليل الجمعة، 29.06.2024
